المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشعر في آبار تهامة بين الغزل والرثاء


الكـايـد
12-04-2007, 03:15 PM
أحاديث في الأدب الشعبي

الشعر في آبار تهامة بين الغزل والرثاء


عبدالرحيم الاحمدي


مثلت الآبار في بلادنا في الماضي القريب حياة اجتماعية فريدة لم يبق منها غير ما احتفظ به الشعر الشعبي ومذكرات الرحالة عما يقع من هذه الآبار في الطرق التي يمرون منها، أو الآبار المشهورة في التاريخ الإسلامي والتي طمر أكثرها في رحاب التطور العمراني أو تغيير المعالم التي كانت سائدة إبان الحياة التقليدية التي عاشتها بلادنا.
ورغم أن المدن كانت تعيش في سقياها على الآبار إلا أن شعراء المدن لم يخلدوا في أشعارهم الآبار كشعراء البادية الذين أكثروا ونوعوا من أشعارهم حول مجتمع الآبار التي يلتقون جميعاً حولها رجالاً ونساء فتياناً وصبياناً، فهم يعتمدون في شربهم على ماء الآبار حتى وإن توفرت العيون والينابيع لعذوبة ماء الآبار التي تضرب في البعد مجارى مياهها الجوفية، وكلما نضب مجرى جاد آخر مع تأثير مصادر المياه واختلاف طبائع أرضها.

والآبار تمثل الموارد التي يجتمع حولها الناس مما يضطرهم أحياناً إلى تنظيم مواعيد ورودها بين السكان لتجنيبهم الحرج والازدحام، وبخاصة حين سقي المواشي التي عادة ما يكون تجمعها وقت الظهيرة، وكانت تستخدم الدلاء، يقوم بها الرجال والنساء، ولا بأس من انتظار الأدوار قريباً من منطقة البئر ومشاهدة الوراد ومحادثتهم رجالاً كانوا أو نساء، فكلهم وان تعددت النجعات يعرف بعضهم بعضاً، وتقف الثقة والاحترام والأخلاق جداراً واقياً من الانحراف وإساءة التصرف مهما كانت النزعات والمشاهد تغري بالجنوح، بل كان الشعر متنفساً وجدانياً للمشاعر الجياشة تسيطر عليه قيم الرهبة والرغبة التي يعاني منها الشاعر فيصدرها في شعر جميل تسترقه الأذن ويقبله العقل ويشدو به اللسان، ويبقى على مرور الأيام والأزمان.

ومن أشهر الآبار في تهامة بئر عسفان وبئر الوحيدى وعد السليم، والعِدُّ هو البئر التي لا تنضب رغم كثرة الوراد وقلة الأمطار، وكل واحدة من هذه الآبار عِدُّ ضارب في البعد الزمني.

والناس يرددون اليوم بيت شعر شارد أصبح من الفولكلور الشعبي يغني في الخبيتي وهو:

نسيت مسواكي على بئر عسفان

عودت له من ساعتي ما لقيته

وقيل "بئر عجلان" وهي بئر أخرى، ولكن بئر عسفان معروفة منذ القدم وقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لها بالبركة، وقد يسميها بعضهم "بئر التفلة" إشارة إلى دعائه باستمرار عطائها.

أما "عد السليءم" فهي بئر في منطقة السليم فيما بين "ينبع البحر" و"الرايس"، غزيرة الجم كثيرة الوراد، وقد روينا قصة حدثت على جالها للشيخ داخل بن طلال الجهني - رحمه الله -، وهو والد كل من اللواء أحمد ومعالي الوزير علي بن داخل بن طلال الجهني، وهو من شيوخ قبيلة جهينة، وفي تلك القصة وردت أبيات من الشعر للشيخ داخل وعدد من الشعراء حيث عرج الشيخ وكان فتى يافعاً، دمث الأخلاق، بشوش المحيا، يخطو في العقد الثالث من العمر، فشاهد فتاة تسقي إبلها فأعجب بها ووجد نفسه شاعراً يقول من مطلع أبيات قصيدة:

يقول "داخل" يوم شاف القضية

على "السلَيءم" موردة للبعارين

والقصة وما قيل فيها من أشعار في كتابنا "من مرويات ابن قابل" ص128- 133.وكثير من المواقف الشعرية ما تصدر عن مجتمع الآبار الذي يعد منتدى اجتماعياً، استلهمت عنه قصائد كثيرة.

أما البئر الثانية فهي "بئر سالم" وهي في الحوراء، وقد عمرت بالوراد الذين ينزلون حولها أو يعبرون حيالها، إلا أن الشاعر سلامة بن رويشد مر بالبئر وقد قل ورادها بعد أن فضل الناس بئراً أخرى تحول الناس إليها إما لعذوبتها أو لقربها وهي "بئر الوحيدي"، والناس يسمون الآبار بأسماء مؤسسيها إن عرفوا مثل "بئر سالم الصيدلاني، أو بئر الوحيدي"وكلاهما من أهل المنطقة"أملج"، وقد تعرف البئر باسم المكان مثل "بئر عسفان" أو" عدا السليم". على أية حال يقول الشاعر ابن رويشد في رثاء "بئر سالم":

يابير سالم نَحَتء عنك الورود ورجءع الاوناس

عزي لحالي وحالك من بعد خضر النوامي

يابير ما ارعي عليك يرود غير الطير قرناس

من بعد ما انته ملافي عءلوم من قبلة وشامي

يابير ما فيك ذارب بس ما تصلح على الكاس

علا عليك الوحيدى وانت بطّلءك النظامِ

ياقلبي اصبر على الونّة عسى ياقلب ما باس

اصبر كما صَبءر ذاك البير عن ورد الجهامِ

ياعد مشروب غالي والغلا ممداه الافلاس

لا شفتَ نفسك غليت احسب على كسر المقامِ

ربما كانت عذوبة الوحيدى سبب العزوف عن هذه البئر التي أصبح في ماؤها شيئاً من الملوحة التي لا تناسب الشاي، وربما كان للشاعر معنى افتقده على هذه البئر.

أما بئر الوحيدي التي قيل عنها في أغاني الخبت:

بير الوحيدي ليتناما وردناه

فيه الغزيّل تنهب القلب حلياه

فقد جاء من يرثيها بعد أن غير الزمن كثيراً من تقاليد الحياة، وألغى منتديات الآبار، نعم لقد جاء الشاعر سالم بن سليم الفايدي كما يشير الاستاذ محمد حامد السناني في كتابه: "شعراء من الحوراء" جاء سالم مسلماً على بئر الوحيدى فلم يجد سوى السيارات التي تنقل الماء بطريقة آلية، فلا وراد ولا مواشي فالسيارات تنقل الماء إلى المنازل وإلى المواشي في مراعيها، وعادت الآلة تسحب الماء من البئر إلى الشاحنة بل ربما ساهمت الكهرباء في استخراج الماء، فلم يعد للبئر فوهة يحيط بها أهل الدلاء يرددون أغاني العمل تشعل النخوة والنشوة حماسهم للتعاون وتبادل الأدوار في سحب المياه وجبد الدلاء، ورغاء الإبل وثغاء الشاء حافز يثير الحماس لدى الرعاة، وكم التقت المشاعر والتحمت الأفئدة وتقاربت القبائل انطلاقاً من الموارد، بل وكم من عين باتت تنتظر ظهيرة اليوم القادم لتعانق من تحب في صفاء ونقاء وعفاف.. نعم مر الشاعر بالبئر فأثار الموقف مشاعره ليتذكر أياماً سلفت لهذه البئر فقال من قصيدة طويلة:

سلام ياعِدء لك تاريخ حنّا ما جهلناه

ما فيه واحد يَبَيء يجهل بتاريخ الوحيدى

ياعد ماضى زمانك ما يروح ولا نسيناه

إنت الذي مشتهر ما لك شبيه ولا نديدِ

ما فيه مثلك قراح وعذب حالي ينشرب ماه

إنت القراح النهيل اللي روى جمك سديدِ

تعرك عليك الورود وترتوي والجم بملاه

ما لك منافس هذاك الوقت يوم انك سعيدِ

ومنها:

ياعد ذكرتني باهل المجاليس المسماه

اللي مجاليسهم من كان فيها يستفيدِ

ياعد نذكر ورودك في الزمان اللي لحقناه

هذا مصدّر وذا وارد على جالك عديدِ

كانت ورودك على جالك تزاحم قيظ وشتاه

الله ما جاك من طيب وملبوسه جديدِ





ثم ينتقل إلى الجانب الوجداني:

ياردك فرق الحمام وتاردك ركبان ومشاه

من ياردك في هذاك الوقت كِنّه يوم عيد

تارد عليك الخشوف اللي مقادمها محنّاه

كل الظبا ياردنّك من قريب ومن بعيدِ

ثم يعود إلى الماضي ليقول:

اللي مضى لك عليك أفواج كل ياخذ سراه

واليوم ياعد مخلي لا صدير ولا وريدِ

ياعد روّح زمانك ما بقي لك غير ذكراه

الوقت دوار ما بعد النزول إلا الشديدِ

اللي مضى ما يجي لك غير راعي دلو ورشاه

واليوم ياعد ما يارد عليك إلا الحديدِ

ياعد كلٍ تغير واختلف طبعه وممشاه

اليوم لا تامن اقرب لك يعوِّد لك ضديدِ

ويختتم بقوله:

هذا وما كان زايل والبقا والملك لله

ما قدر الله يكون وما على الدنيا يبيدِ

ومن أطرف القصص التي حدثت لدى الآبار أن الشريف ابن زريعة من أعيان ينبع ورد بئر "عويص" وهي بئر مشهورة، وكان عمره يتجاوز الثمانين حولاً، ووجد على البئر ست فتيات يسقين إبلهن وأغنامهن، وكان لكبره يضع يده فوق عينيه تفادياً لأشعة الشمس وتركيزاً للنظر، فتضاحك البنات، فانصرف إلى ظل سدرة كانت جوار البئر فقال:

الله يسعدك ياعِدّاً عليه الورد زافات

كثرت عليه الورود وجابهن عشب النبات

أنا وردتك نهار وشفت عندك ست غرات

وانا سبب علتي شوف البنات المحصنات

قالن: شويِّب يعاند بعد ما عصره سلف فات

يعاند اللي على اول في سنينه مقبلات

وقلت: شيبي خلايع من زمان فيه شطَّات

وألاّ تراني جمل وانطح جميع النايبات

إلى آخر الأبيات من كتاب "من مرويات ابن قابل" للكاتب.

إن هذا النوع من الشعر الذي ربما سمي مجروراً أو مسحوباً من الأوزان التي يفضلها شعراء المنطقة في الوجدانيات لإيقاعها الحزين المؤثر وإطالة النفس بها غناء أو إلقاء.

الشاطر11
11-10-2008, 02:17 AM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

rayeq
11-10-2008, 08:17 AM
بارك الله فيك أخي فتى الجوبة

تقبل مروري ياعسل

وليد الأحزان
07-07-2009, 06:59 AM
يسلمـــووـووـوو

والله يعطيكـ العافيـــــهـ

دمت بـــــووـد:)

حسي ستايل
09-29-2009, 12:40 PM
~ ّ ّيع ــــــطيكــ آلع ــــآآفية
وديـــــــ و بآقـــآتــ ورديـــ ّ ّ ~